الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016

"القارب المغوار"

تمشي على شاطئ البحر وحبات رماله تعانق أقدامها، تصول وتجول تقفز هنا وهناك وإذا بها تلمح بين الاحجار شيءٌ ما دست يدها لتلتقطه فرأته قارب مهترئ ،توالت الايام عليه ونحتت أثارها على حوافه كثقوبٍ صغيرة تُقبح مظهره،ظلت تبحلق فيه، فرأته غير نافع رمته -غير آبهه- على ساحل تسطع الشمس عليه كنارٍ حامية ،ولم تفكر للحظة أنه كد وكابد ليختبئ بين الحجارة هرباً من لفحاتها الحارقة، وبينما هي ماضية، جاءت نسمات البحر بصوتٌ هادر تهتز نبرته بفعل الرياح البارة ،إلتفت باحثة عن مصدره، فإذا به شيخٌ كبير في تعرجات ملامحه حكايا أهل الزمان ، ناداها وطلب منها الإقتراب نظرت له بإستغراب!؟

عاود طلبه فاستسلمت لفضولها وذهبت ملبية ، سألها :
اأنتِ من رميتي هذا القارب؟- وكان يحمله في يده- ردت قائلة: نعم أنا ،إنه لا يصلح لشيء فإني إذا وضعته بين الامواج تعثر وهابها لهول حجمها وصغر حجمه  ، اما إذا جعلته على الشاطئ فإنه سيمتلىء بالمياة بسبب تلك الثقوب على جوانبه، وسيكون الغرق نهايته؛ وأضف لذلك شكله المهترئ الذي لن يصلح حتى لان يكون تحفه لأتباهى بمنظره... -وأتمت بإستهتار- فلما لا ارميه وما حاجتي بأمثاله!؟

ذُهل الشيخ من ردها، شد حاجبيه كلُ منهما الاخر، وقال لها بصرامة : الا تصلحيه وتجربيه قبل أن تطلقي هذه التهم عليه ؟!
فردت وبسمة الاستكبار ترتسم على شِفاهها"إن شكله هو البرهان"

جلس العجوز متربعاً على رمل الشاطئ واخذ يحدثها : يا بنيتي إننا في هذا العالم نظلِم كثيراً دون أن نشعر أتعلمين كيف؟ اردف -مجيباً على علامة الاستفهام التي تشكلها ملامحها- : ها أنتِ قذفتيه دون أن تكلفي نفسك العناء في إختباره وفوق ذلك إستكثرتي أن تعيديه لمكانه، تركتيه مرمي تائه لفضول أثارك وصدفة كتبت عليكِ لقاؤه،  أتعلمين صغيرتي " هذا القارب الصغير مثالٌ كبير لنا نحن بنو البشر ،دائماً مانستقل بمن حولنا لتوافه لاتسمن ولاتغني من جوع ،براهين وإثباتات سطحية تجعل من الماسة حجر والحجر ماسة بناءٌ على المظهر لا الجوهر ، نكتشف بعد فوات الاوان أن الاولى ترسبت عل سطحها الاتربة لتطمس لمعانها، اما الثانية فبعض الالوان والاضافات تفي بالغرض  لتغدو براقة من الخارج من المكنون خالية،  أكمل ساخراً  -  وقطرات من الدمع تجمعت في عينيه كندى الصباح على حواف الازهار ...

" غريبون حقاً"

غاصت في عمق كلماته وفهمت المقصد ،مدت يديها فحشره بين كفيها هامساً في أُذنيها" أنا أعدتُ القارب لكِ  ولكن إحذري هناك فرق فنحن بشر ،والخطأ هنا يُحتسب ،والنُدب لاتمحى وبعض الذنوب لاتُغتفر "

مضى هو تاركاً كلمات حُفرت في صدرها وصداها يتردد في دواخلها إحتضنت القارب ، داوت جراحه ،وإتبعت ببعض الطرق لإصلاحه وأسمته المغوار، وقررت أن تخوض معه في عالم الابحار .

Reda al-hassany

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق